الشيخ محمد الصادقي الطهراني
55
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
من النسناس ، وإنما السخري من كل الجوانب عدلًا وفضلًا ، فالعامل مسخر للمهندس ولصاحب العمل ، والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل ، وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على سواء ، فكلٌّ مفضَّل على الآخر بما عنده ، كما الآخر مفضل عليه بما عنده ، فلو كان الكل على سواءٍ في المواهب والإستعدادات لما مكَّن أحد نفسه في شغل لآخر مثله ، ولما تمكن أحد من تسخير أحدٍ هو مثله ، وحالة الاستغناء هذه تمنع الحياة الجماعية والتساخر بين الأفراد في حاجياتهم فتقف عَجَلة الحياة . ف « سُخرياً » هذه هي التعامل اللازم واللائق بشأن الحياة كما تقتضيه الشرعة العادلة الإلهية : أن لكل ساعٍ سعيه ، ثم الزائد والناقص في سعيه دون تقصير يتعاملان تعاملًا آخر ، أن يفيد الأولُ من سعيه الآخرَ ، ويستفيد الآخرُ من سعي الأول ، إنفاقاً دون مَنٍّ ولا أذىً حتى تحصل طبقية الناس . فطبقية النسناس تعم ما تحصل من ظلامات ، ومن ترك الإنفاقات الواجبة والراجحة ، وطبقية الناس تطردهما في ترك الظلامات وفعل الإنفاقات ، على ضوء الطبقية الفاضلة من إله الناس ! . فليست الطبقية كلها ظالمة ، كما اللّا طبقية ليست كلها عادلة ، وإنما الظلم مرفوض في طبقية أم لا طبقية ، والعدل مطلوب مفروض - والفضل - في طبقية أو لا طبقية . أترى لو تغاضينا عن آماد المساعي فأعطينا عمالًا - على اختلاف مساعيهم - أجوراً متساوية ، أم قدر الحاجة لإزالة الطبقية بينهم ، ولكي لا تحصل ، هل هو إذاً عدل ؟ ف « وأن ليس للإنسان إلا ما سعى » إذاً ظلم ؟ كما يقوله الإقتصاد الشيوعي . أم لو أعطينا كلًا كما سعى دون رعاية لقصور الضعاف أن نزيدهم لحد الكفاف ، ودون أخذ الضرائب من الأقوياء إنفاقاً للضعاف ، تطبيقاً مكانيكياً لقاعدة السعي ، فهل عدلنا أم كما تقو ل الاشتراكية أم ظلمنا ؟ . أم إذ نجمع - على ضوء الإقتصاد الإسلامي - بين قاعدة السعي وبين رعاية الضعاف القُصَّر بفرض ضرائب الكفاف على الأثرياء ، رعاية للمحاويج ، أفراداً أو جماعات ، فهل ظلمنا أم عدلنا ؟ وهذا ما يقوله الإسلام : « ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سُخرياً » على ضوء قاعدة السعي والإنفاق المستحق ، لتتقارب الجماعة المسلمة مادياً ومعنوياً ، فسماحة الإنفاق ربوةٌ روحية بين الناس ، وتطبيق قاعدة السعي عدل واقعي ، وفي